نظام القبيلة في الخليج يلعب بالنار، وستحرقه
افترض نـــــــزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، ان السياسات الخارجية التي يتخذها العراق ازاء مختلف القضايا التي تدور حوله، تستند الى المصلحة الوطنية العليا، وما يحقق الامن القومي، ويساهم في استعادة عافية العراق، الذي يسعى للملمة جراحاته التي خلفتها سياسات النظام الشمولي البائد، وهو يبدا تاريخا جديدا بحلول العام الميلادي الجديد الذي شهد خلوه من القوات الاجنبية وتحديدا الاميركية، في اطار اتفاق الاطار الاستراتيجي الموقع بين بغداد وواشنطن.
واضاف نــــزار حيدر، الذي كان يتحدث ليلة امس على الهواء مباشرة لبرنامج (جدل عراقي) على قناة الفضائية (السومرية):
ان العراق الجديد يسعى دائما لان يرى المنطقة هادئة وخالية من الازمات، وهو يرفض ان تستخدم الالة العسكرية فيها ولاي سبب كان، فالعراقيون حساسون جدا من استخدام القوة لحل النزاعات، سواء داخل الدول نفسها والمجتمعات او بين الدول والانظمة، لما لاقوه من دمار وازهاق للارواح بسبب حماقات النظام الشمولي البائد التي فرضت عليهم، وعلى مدى نيف وثلاثين عاما، مختلف الحروب الداخلية ومع الجيران، والتي انتهت الى احتلال العراق ودخوله في اتون حرب العنف والارهاب التي شنها التكفيريون المتحالفون مع ايتام الطاغية الذليل صدام حسين، والتي ازهقت ارواح الابرياء من الشعب العراقي بالاضافة الى انها دمرت البلاد واخرت كل المحاولات الرامية الى اعادة بناء البلد، كما انها عرقلة التنمية والاستثمار بشكل كبير، فيما كادت ان تجر البلاد الى حرب اهلية طائفية، وقى الله تعالى العراقيين من شرها بحكمة المرجعية الدينية وصبر الشعب وتحمله الاذى من اجل اجهاض اجندات الارهابيين التكفيريين.
ان هذه الحساسية المفرطة من استخدام القوة هو الذي دفع بالعراقيين الى ان يتدخلوا، تحديدا، في ملف كالبحرين والذي جرت فيه، وبسبب الاستخدام المفرط للقوة، انهارا من الدماء، عندما تعاملت الاسرة الفاسدة الحاكمة هناك مع الاحتجاجات السلمية للشعب المسالم بالقوة المفرطة وبنظرة طائفية حاقدة دعمتها بالفتاوى (الدينية) الطائفية والاعلام المضلل الذي يحرض ليل نهار على الطائفية موظفا ما يسمى هنا بـ (ايران فوبيا) في محاولة منه لارهاب الراي العام العربي والاسلامي، وكذلك الغربي وتحديدا الاميركي من مغبة اي تغيير قد يحدث في البحرين، ولم تكتف سلطات آل خليفة بقوتها الذاتية وانما استدعت قوات ما يسمى بدع الجزيرة التي دخلت البحرين بكل عدتها وعديدها، ما سبب بتازيم الوضع اكثر فاكثر، ويخطئ نظام القبيلة الحاكم في دول الخليج اذا تصور ان بامكانه الهروب الى الامام اذا استخدم القوة المفرطة كما يحصل اليوم في البحرين والجزيرة العربية، او اذا ما تدخل في شؤون الربيع العربي يدعم هذا ضد ذاك، او يوقف عجلة التغيير في هذا البلد ويحرك الناتو في بلد آخر، طبقا لتعليمات عواصم الغرب وعلى راسها واشنطن، فنظام القبيلة هذا يلعب بالنار التي ستحرقه ان عاجلا ام آجلا، لان التغيير قادم لا محالة، وان رياح الربيع العربي ستكنس كل مخلفات النظام السياسي العربي الفاسد بلا استثناء، وان نظام القبيلة زائل لا محالة، اذ ليس له مكان في الربيع العربي، لانه والديمقراطية على طرفي نقيض لا تجمع، فنظام القبيلة يعتمد التوريث والفساد المالي والاداري بدرجة كبيرة جدا، من خلال طريقة تعامل القبيلة مع الشعب الذي حولته الى قطيع من العبيد والاماء، والمال العام الى مال خاص تتصرف به كيف تشاء، اما الديمقراطية فلا مكان فيها للتوريث، بل انه نظام يعتمد صندوق الاقتراع ليختار الناس ممثليهم تحت قبة البرلمان، في عملية تبادل سلمي للسلطة بعيدا عن التوريث وعن لعبة السرقات المسلحة (الانقلابات العسكرية)، واذا نجح نظام القبيلة لحد الان في البقاء بعيدا بعض الشئ عن تاثيرات رياح الربيع العربي، فهو الى حين، وليس الى كل حين ابدا، فتجارب التاريخ تعلمنا حقيقة في غاية الاهمية تقول بان التغيير اذا بدا في جزء من منظومة سياسية فانه سيشمل كل المنظومة واجزاءها ان عاجلا ام آجلا، وهذا ما يجب ان يحسب حسابه حلفاء نظام القبيلة الاستراتيجيين في المجتمع الدولي، فاذا كانت قوى عالمية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، حريصة على مصالحها القومية في منطقة الخليج فان عليها ان تتذكر هذه الحقيقة دائما لتبادر وتضغط باتجاه تحقيق تغيير مسيطر عليه، معقول ومقبول، من قبل ان يصبح التغيير امرا واقعا، منفلتا عقاله لا يمكن السيطرة عليه، فالتغيير المسيطر عليه الذي يساهم المجتمع الدولي الذي له مصالح استراتيجية في المنطقة في تحقيقه سيكون أأمن وافضل له ولشعوب المنطقة، وكم اتمنى ان لا يخدع نظام القبيلة المجتمع الدولي بانه عصي على التغيير وان التغيير مستحيل في هذه المنطقة الاستراتيجية، لانه، ببساطة، ليس لصالح احد لا من الانظمة الحاكمة فيها ولا من قوى المجتمع الدولي، لان التغيير سيؤدي الى انفلات الامور من يد الاخير، وغير ذلك من السيمفونيات المشروخة التي تتحدث بها ابواق نظام القبيلة لانقاذه من حبل المشنقة المدلى بانتظاره.
لقد ارتضى نظام القبيلة الحاكم في دول الخليج لنفسه ان يتحول الى حصان طروادة بيد الغرب لتخريب الربيع العربي وافراغه من محتواه الحقيقي، ظنا منه بان الانبطاح امام اوامر الغرب واميركا تحديدا سيساعده على الافلات من رياح التغيير، وها نحن اليوم نرى كيف ان واشنطن ولندن وظفت المال الخليجي والفتوى (الدينية) الخليجية والاعلام الخليجي والدبلوماسية الخليجية لاجهاض حركات وتغيير مسار حركات اخرى وقمع حركات ثالثة، وبمقارنة بسيطة بين ما جرى في ليبيا وما يجري اليوم في البحرين واليمن، سنكتشف هذه الحقيقة واضحة وجلية.
من هنا فانني ارى بان العراق الجديد هو من اكثر دول المنطقة المرشحة للاستقرار، بعد ان طوى صفحة النظام السياسي الاستبدادي وتحول، قبل الاخرين، الى نظام سياسي ديمقراطي، يعتمد الشراكة الحقيقية وصندوق الاقتراع والحياة الدستورية على الرغم من كل المشاكل التي يمر بها، خاصة المشاكل بين الفرقاء السياسيين، والتي يعدها كثيرون طبيعية في بلد مثل العراق الذي تحوم حوله الذئاب التي تحاول ان تنهش بجسده.
واذا قررت الطبقة السياسية الحاكمة والكتل السياسية ان تضع خلافاتها الحزبية والشخصية جانبا، فانها ستنجح في ان تاخذ البلاد، مع الشعب العراقي، الى المرحلة الجديدة، مرحلة السيادة التي تحققت مع بزوغ فجر اليوم الاول من العام الميلادي 2012.
ان العراق الجديد يمد يده لكل الاشقاء والاصدقاء الذين يتعاملون بطريقة ايجابية مع العملية السياسية الجارية في البلاد منذ سقوط الصنم في التاسع من نيسان عام 2003 ولحد الان، فالاولوية بالنسبة له تعتمد المصلحة الوطنية، من دون ان يعني ذلك انها تتقاطع مع مصالح الاخرين او تتضارب او تتناقض معها ابدا، فالعالم اليوم قائم على اساس تبادل المصالح، فلماذا يحق لغيره ان يبحث عن مصالحه في اية نقطة من هذا العالم ولا يحق للعراق ان يفعل الشئ نفسه؟ ما علاقة العراق بمشاكل هذه الدولة مع تلك؟ وما علاقة مصالح العراق بالخلافات المستحكمة التي تحكم علاقة هذه الدولة بتلك؟ لماذا لا يحق للعراق، الذي يسعى شعبه الى بناء بلده وتنمية قدراته واعادة بناء ما خربه النظام الشمولي البائد وحروبه العبثية وما خلفته الحرب التي ادت الى اسقاطه في مزبلة التاريخ وكذلك ما خلفه العنف والارهاب، ان يبحث عن مصالحه مع دول المجتمع الدولي بذريعة تقاطع مصالح الدولة الف مع الدولة باء او غير ذلك؟.
الا المملكة العربية السعودية، فالعراق لا يجد، لحد الان على الاقل، له اية مصالح معها لانها لازالت تتعامل بسلبية مفرطة مع العملية السياسية، فهي الدولة ربما الوحيدة التي لم يسمع او ير منها العراقيون اي موقف ايجابي، بل على العكس من ذلك فهي التي تدفع الاموال الطائلة للتخريب على العراق وعلى سياساته الخارجية وعلى كل مشروع يسعى لكسبه لدعم موقفه الاقليمي والدولي كما حصل ذلك عندما دفعت الرياض باتجاه تخريب اقامة (خليجي) في البصرة الفيحاء، وكل همها ان تقنع الراي العام العالمي والاسلامي والعربي والمحيط الاقليمي بان العراق لازال غير مستقر وانه يعيش مشاكل مستديمة لا يمكن تجاهلها بسهولة، وبالتالي لا يمكن الوثوق به والاعتماد عليه.
ان نظام اسرة آل سعود الفاسدة التي لازالت تحتاج الى العالم في كل شئ، لا يمكنها ان تفيد العراق بشئ، ولقد قيل قديما بان (فاقد الشئ لا يعطيه) فما عسى الرياض ان تقدم للعراق الجديد اذا كانت هي نفسها فاقدة لكل شئ؟ وما عساها ان تقدم للعراق الجديد (الديمقراطي) اذا كان نظامها يقوم على نظام القبيلة الذي يعتمد التوريث ويكره الديمقراطية وادواتها، خاصة صندوق الاقتراع؟.
ان الرياض لا زالت ترى في العراق الجديد مصدر قلق وتهديد لنظامها السياسي، ولذلك فهي تبذل كل ما بوسعها لاشغال العراق بمشاكله من اجل ان لا يؤثر في المنطقة وفي الجزيرة العربية تحديدا، فالديمقراطية بطبيعتها تترك آثارها الايجابية بشكل طبيعي فهي تتحرك يمينا ويسارا، ولذلك فان نظاما كنظام اسرة آل سعود الفاسدة، يبذل قصارى جهده من اجل محاصرة العراق ووئد تجربته.
لقد غير الربيع العربي الكثير من القناعات فما كان حرام من وجهة نظر الزعماء (الدينيين) والسياسيين والمفكرين وقادة الراي العام اصبح اليوم حلال بل من اوجب الواجبات، فموضوع مثل اقامة المناطق العازلة في اجزاء من البلاد لغرض تامين الحماية اللازمة للمدنيين كان يعدها امثال هؤلاء جريمة وطنية وقومية عظيمة لا تغتفر، اما اليوم فقد اصبح مثل هذا الموضوع من المسلمات التي يفتخر الجميع بالدعوة لها، بل ان بعضهم يتنافس مع زملائه ليثبت انه كان اول من دعا اليها وليس غيره من (الشخصيات) الوطنية في البلاد، كما ان الدعوات للتدخل الاجنبي الذي بات يسمى الان بتدخل (الاصدقاء) او (الحلفاء) لاسقاط الانظمة الديكتاتورية الشمولية باتت من شعارات المرحلة الوطنية والتاريخية، وهي عمل جائز من الناحية الشرعية ولها الف دليل شرعي ودليل.
فكلنا يتذكر كيف ان امثال هؤلاء شنوا اقسى الحروب الاعلامية والدبلوماسية ضد العراقيين وقادة المعارضة العراقية آنئذ عندما دعا بعضهم الى اقامة المناطق العازلة في اجزاء من العراق لغرض تامين الحماية الدولية للاهالي العزل والابرياء، الذين كانت ماكينة حرب الطاغية الذليل تحصد ارواحهم بلا رحمة وامام مراى ومسمع الراي العام العربي الذي يتباكى اليوم على معشار ما يفعله طاغوت عربي ما بشعبه، لدرجة انني اضطررت للرد على احدهم في جريدة (السفير) البيروتية، كان ذلك في العام 1992، والذي كتب فيها مقالا كان قد شن فيه حربا شعواء على العراقيين ومعارضتهم وقادتها وزعمائها لانهم طالبوا بالحماية الدولية لشعبهم الاعزل، اما اليوم فان نفس هذا الكاتب (الثوري والوطني) جدا يعد اليوم من ابرز جوقة الكتاب الثوريين والوطنيين جدا جدا الذين ينادون بالحمايات الدولية وتدخل الناتو لصالح الربيع العربي.
انه عمى البصر والبصيرة الذي اضاع عند مثل هؤلاء اتجاه البوصلة، فراحوا يتخبطون في كل الاتجاهات ويخبطون خبط عشواء بلا نتيجة تذكر.
18 كانون الثاني 2012
عاشوراء..ما قبل العدل
نـــــــــــــــزار حيدر
NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM
لقد خلق الله تعالى الخلق ليقيم الناس العدل، ولا يتحقق العدل الا اذا كان الانسان مسؤولا، ولا يكون المرء مسؤولا الا بثلاثة شروط هي:
الحرية
الكرامة
الاختيار
هذه المعادلة العقلية والمنطقية تحدث عنها القران الكريم في العديد من الايات.
عن فلسفة العدل قال العظيم في محكم كتابه الكريم:
{لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} وقال تعالى {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} وقال عز من قائل {ان الله يامر بالعدل والاحسان} وقال سبحانه {وامرت لاعدل بينكم} وقال تعالى {واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل} وقال سبحانه {واذا قلتم فاعدلوا} وقال سبحانه {ولا يجرمنكم شنان قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى}.
ولذلك فقد تواترت الروايات عن اهل البيت عليهم السلام قولهم عن فلسفة ظهور الامام الثاني عشر من ائمة اهل البيت عليهم السلام الحجة المنتظر(عج) قولهم {يملأ الارض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا}.
اما عن فلسفة المسؤولية فقد قال تعالى:
{ولا تقف ما ليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا}.
عن شروط المسؤولية، قال تعالى:
الف: عن الحرية:
{الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين امنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون}.
باء: وعن الكرامة:
{ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}.
جيم: وعن تعدد الخيارات:
{وهديناه النجدين} و {انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا} و {لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}.
دال: وعن حرية الاختيار بعيدا عن الفرض والاكراه:
{وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل} و {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} و {قال يا قوم ارايتم ان كنت على بينة من ربي واتاني رحمة من عنده فعميت عليكم انلزمكموها وانتم لها كارهون}.
نستنتج من هذا النهج القرآني، معادلة انسانية ومنطقية وعقلية في غاية الاهمية، تقول، ان الانسان ملزم بان يقيم العدل في المجتمع وعلى كل الاصعدة، سواء كان حاكما او محكوما، فان عليه ان يعدل في قوله وفعله وحكمه، يعدل في العائلة ويعدل مع جيرانه ويعدل مع المجتمع، كما ان من واجبه ان يعدل في تعامله مع الحاكم اذا كان محكوما، ومع الرعية اذا كان حاكما.
ولكن، هل بامكان الانسان ان يعدل ان لم يكن مسؤولا؟ اي ان كان عاجزا عن تحمل المسؤولية؟ بالتاكيد كلا، لان الانسان غير المسؤول، ولاي سبب كان، لا يمكنه ان يمارس كل ما من شانه ان يحقق العدل في المجتمع.
اذن، يجب ان يكون الانسان مسؤولا لننتظر منه ان يمارس العدل في المجتمع، وقبل ذلك مع نفسه، فيفكر بعدل ويتحدث بعدل ويحكم بعدل.
هنا يقفز السؤال الاخر، وهو:
هل يمكن للانسان ان يكون مسؤولا اذا لم يكن حرا؟ او لا يتمتع بكرامته؟ او ان يكون مجبرا على شئ؟ سواء تعلق هذا الشئ بعقيدته او تفكيره او رايه او حتى مستلزمات حياته؟ بالتاكيد كلا والف كلا.
من هنا نفهم بان قاعدة العدل هي شروط المسؤولية، ولذلك فان الله تعالى في منهجه القرآني الرباني ابتدأ بشروط المسؤولية لينتهي بقيمة العدل، فالحرية اولا، والكرامة قبل المسؤولية والمسؤولية قبل تحقيق العدل، وهكذا في منظومة فلسفية رائعة تبدا بالحرية وتنتهي بالعدل وتمر بحرية الاختيار، لان الانسان المجبر على عقيدة ما لا يمكن ان يكون مسؤولا، وان غير المسؤول لا ننتتظر منه ان يقيم العدل ابدا.
ولقد بذل رسول الله (ص) كل جهده من اجل تحقيق هذا النهج القرآني، فاقام، صلى الله عليه وآله وسلم، العدل كقيمة عليا وهدف اسمى وجوهر للرسالة في مجتمع المدينة، ليس للمسلمين فحسب وانما لكل المواطنين الذين عاشوا في ظل سلطته السياسية، لان العدل قيمة انسانية وهي للجميع بلا استثناء او تمييز، اولم يقل القرآن الكريم {ليقوم الناس بالقسط}؟.
وبعد وفاته (ص) انقسم المسلمون الى تيارين:
الاول: هو الذي ظل ملتزما بالنهج القرآني الذي حوله، بتشديد الواو، رسول الله (ص) الى واقع يمشي على الارض بكل حذافيره، ولقد مثل اهل البيت عليهم السلام هذا النهج في سلوكهم وفي تعاملهم مع الاخرين، وعندما اعتلى السلطة امير المؤمنين عليه السلام وابنه السبط الحسن عليه السلام، وابنه الشهيد السبط الحسين عليه السلام في نهضته المباركة.
الثاني: هو الذي ابتعد شيئا فشيئا عن هذا النهج حتى انتهى باصحابه الى تحويل الخلافة الى ملك عضوض اقامه معاوية بن ابي سفيان، وهو الطليق ابن الطليق وابن آكلة الاكباد، والذي ورث، بتشديد الراء، السلطة الى ابنه يزيد الخليع الخمار اللاعب بالقرود.
بالنسبة الى التيار الاول، فقد تمثل النهج القرآني بفعل اهل البيت واداءهم وليس باقوالهم فقط، فمثلا:
عن عدم اجبار امير المؤمنين عليه السلام لاحد على البيعة يقول (ع) {ما منهم، اي المهاجرين والانصار، رجل الا وقد اعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعا غير مكره}.
ويصف لنا المؤرخون حال امير المؤمنين عليه السلام عندما طلبه المسلمون للخلافة بقولهم:
خرج علي الى المسجد فصعد المنبر وعليه ازار وطاق وعمامة خز ونعلاه في يده متوكئا على قوس فبايعه الناس وجاؤوا بسعد بن ابي وقاص فقال علي بايع قال لا ابايع حتى يبايع الناس والله ما عليك مني بأس فقال الامام خلوا سبيله.
وجاؤوا بابن عمر (عبد الله) فقال له الامام بايع قال لا ابايع حتى يبايع الناس فقال الامام ائتني بحميل (اي كفيل) قال لا ارى حميلا فقال الاشتر خل عني اضرب عنقه فقال الامام دعوه انا حميله واضاف انك ما عملت لسئ الخلق صغيرا وكبيرا.
نفس المنهج الرباني سار عليه والتزم به الامام الحسن السبط عليه السلام، فعندما ساله اصحابه عن علة تسليمه السلطة لمعاوية اجاب قائلا {اني رايت هوى معظم الناس مع الصلح وكراهتهم للحرب فما اردت ان احمل الناس على ما يكرهون}.
وقال لبعض اصحابه ممن كان يكره الاتفاق مع معاوية ويميل الى حربه {ليس الناس مثلك، لا رايهم كرايك لا يحبون ما تحب}.
واضاف {ما اردت بمصالحتي معاوية الا ان ادفع القتل عندما رايت تباطؤ اصحابي عن الحرب ونكولهم عن القتال}
الحسن السبط عليه السلام، اذن، ملتزم بالنهج القراني الذي يعتمد على عدم الاكراه وتسليم الخيار بيد الناس، ليختاروا بارادتهم ومن ثم ليتحملوا عاقبة خياراتهم.
الحسين الشهيد السبط عليه السلام، هو الاخر ملتزم بنفس النهج القرآني، فهو لم يفرض ارادته على احد ابدا، لانه كان يؤمن بان الاكراه ضد الحرية وان من تسلب، بضم التاء، منه الحرية لا يكون قادرا على الاختيار، ومن لا يختار بارادته الحرة لا يمكن تحميله المسؤولية ابدا، ولذلك لطالما استوقف الامام اصحابه ليقول لهم { فمن احب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ليس عليه منا ذمام}.
كما انه خاطب جيش البغي في اكثر من موقف بقوله { ايها الناس اذ كرهتموني فدعوني انصرف عنكم الى مامني من الارض} في محاولة منه عليه السلام لمنحهم حق الاختيار ليلقي عليهم الحجة تلو الاخرى مع ما له عليهم من الحجج البالغة.
بل انه خير، بتشديد الياء، اصحابه في ليلة العاشر، اي قبل سويعات من بدأ المعركة، بين البقاء معه او الانصراف، ليضع الخيار بايديهم فيتحملوا المسؤولية بارادتهم، فقال لهم {هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من اهل بيتي، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله ، فان القوم انما يطلبوني ولو قد اصابوني لهوا عن طلب غيري}.
اما التيار الثاني، فقد تطور لينتج في العصر الحديث كل الحركات التكفيرية التي تسعى لفرض اجنداتها بالقتل والتدمير، وهو النهج الذي تبنته اسرة آل سعود المتحالفة مع الحزب الوهابي منذ اكثر من قرنين من الزمن تقريبا، وما عمليات القتل والتفجير والتفخيخ والعمليات الانتحارية القذرة ضد الابرياء، كما حصل مؤخرا في مدينة البصرة الفيحاء عندما فجر ارهابي تكفيري حاقد نفسه في جموع المعزين باربعين سيد الشهداء عليه السلام، الا انموذج لهذا النهج الاموي الذي تمكن من رقاب المسلمين بالحديد والنار، فسحق حرية الانسان وصادر ارادته والغى حقه في الاختيار بارادة حرة وكريمة ليتحمل مسؤوليته بوعي وادراك، ليتحول الانسان، في ظل هذا النظام، الى دمية عديمة الطعم واللون والرائحة، همها علفها.
ولقد مثلت عاشوراء قمة التزام التيار الاول بهذا النهج القرآني، عندما رفض السبط الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام اعطاء البيعة للطاغية يزيد، ليس بصفته الشخصية فحسب، وانما بصفته نهجا منحرفا عن الفلسفة القرآنية التي تحدثنا عنها للتو، والتي تعتمد الارادة الحرة في الاختيار ليتحمل بعدها المرء مسؤوليته في هذه الحياة.
فعندما رفض الحسين السبط عليه السلام البيعة، فانما اراد ان يثبت الحقائق التالية:
اولا: ان الانسان حر في خياراته، فلا يحق لاحد ان يفرض عليه بيعة او موقفا او رايا او حتى دينا، وان فرض معاوية ولاية العهد لابنه يزيد على المسلمين لا يعتمد على دين او نص او سيرة او حتى على عقل سليم او منطق صحيح.
ثانيا: ان البيعة التزام لا يجوز للانسان ان يعطيها لكل من هب ودب، بل ان عليه ان يمحص في هوية الشخص الذي ينوي مبايعته، لانه مسؤول عنها وهي ليست لقلقة لسان او مصافحة يد بيد بلا معنى، ابدا، فلقد قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم {ان العهد كان مسؤولا} ولذلك فان المرء مسؤول على ان يدقق في خياراته قبل ان يختار، والا فانه سيتحمل عاقبة ما يفعل ويقول ويبايع.
ثالثا: ان للحاكم شروطا لا ينبغي تجاهلها، لاي سبب كان، لحظة عقد البيعة، ولقد اشار الامام امير المؤمنين عليه السلام الى ذلك في احدى خطبه بقوله {ولكني آسى ان يلي امر هذه الامة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولا، وعباده خولا، والصالحين حربا، والفاسقين حزبا} كما اشار الامام الحسن السبط بن علي عليهما السلام الى هذه الشروط في معرض رده على معاوية عندما حاول ايهام المسلمين بانه اولى من الحسن السبط بالامر، اي الحكم، فرد عليه الامام عليه السلام بقوله {ويلك يا معاوية انما الخليفة من سار بسيرة رسول الله (ص) وعمل بطاعة الله ولعمري انا لاعلام الهدى ومنار التقى ولكنك يا معاوية ممن ابار السنن واحيا البدع واتخذ عباد الله خولا ودين الله لعبا}.
اما الامام الحسين الشهيد فقد تحدث عن هذه الشروط الواجب الاخذ بها عند البيعة، بقوله {ايها الناس ان رسول الله (ص) قال: من راى سلطانا جائرا مستحلا لحرام الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله ان يدخله مدخله، الا وان هؤلاء، يعني الحزب الاموي، قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن واظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستاثروا بالفئ واحلوا حرام الله وحرموا حلاله وانا احق من غير}.
لقد اراد الحسين السبط عليه السلام ان يثبت المبدا القرآني في لحظة هي في غاية الخطورة والحرج من تاريخ الامة، المبدا الذي يقول ان الانسان حر في خياراته، فللحسين ان يبايع او لا يبايع يزيد بعيدا عن كل انواع الضغط والاكراه والعسف، بغض النظر عن استحقاق الاخير للبيعة من عدم ذلك، فعندما اقدم الطاغية يزيد على قتل الحسين عليه السلام لانه رفض البيعة، انما ادان نفسه واثبت بذلك انه لا يلتزم لا بدين ولا برسالة، وانما همه السلطة فحسب حتى اذا جاءت على حساب دماء الناس وجماجم الابرياء.
ان كل ذلك هو الذي جعل الحسين السبط عليه السلام ان يتعامل بحزم شديد مع موضوع البيعة، لدرجة انه قال لاخيه محمد بن الحنفية {يا اخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية ابدا} فالتشدد في الموقف جاء من قبل الحسين السبط عليه السلام لتثبيت النهج القرآني المشار اليه، ولولاه لما بقي من الاسلام الا اسمه ومن الدين الا رسمه، ولتحول المسلمون كلهم الى عبيد في حضرة (الخليفة) الظالم، كما هو شان الكثير من الشعوب (الاسلامية) التي غسلت ادمغتها ماكينة دعاية الحزب الاموي، اذا بامراء آل سعود ولاة امرهم، ويا لسخرية القدر، وصدق الحسين السبط حفيد رسول الله (ص) الذي قال {انا لله وانا اليه راجعون، وعلى الاسلام السلام اذ قد بليت الامة براع مثل يزيد}.
واليوم، فعلى الاسلام السلام ان قد بليت الامة برعاة مثل آل سعود، الذين ملئت بطونهم من الحرام وملئوا بالحرام والفسق والفجور من قمة رؤوسهم والى اخمص اقدامهم.
لقد ارادت عاشوراء ان تستحضر الامة كل الشروط التي تسبق تحقيق العدل، ولقد نجح الحسين السبط عليه السلام، بتضحيته الجسيمة، ان يهز ضمير الامة لتستعيد الامة حريتها وكرامتها وارادتها وقدرتها على الاختيار، لتتحمل، من ثمة، مسؤوليتها في التغيير ومواجهة الظلم والعدوان الذي يمارسه الطاغوت بحقها، عندما يسومها سوء العذاب بعد ان يتخذها خولا ويتصرف بالمال العام كملك خاص به وبعشيرته.
ان شعارات مثل:
{هيهات منا الذلة} {كونوا احرارا في دنياكم} {لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا اقر لكم اقرار العبيد} {مثلي لا يبايع مثله} تحولت اليوم الى منهج ثوري يسعى كل الاحرار في العالم الى التعلم منه وتجسيده، لما تمثل من قيم ومفاهيم يتطلع اليها كل انسان بغض النظر عن دينه واثنيته ومذهبه وموطنه، على اعتبار ان الحسين عليه السلام للانسان وليس لدين او لمذهب معين، وهو كالشمس تشرق على كل البشرية، ويبقى لكل انسان طريقته واسلوبه الخاص في الاستفادة من نور شعاعها الوضاء.
*ملخص المحاضرة التي القيت في مهرجان اربعين الامام الشهيد السبط الحسين بن علي عليهما السلام والذي اقامته الجالية العراقية في العاصمة الاميركية واشنطن يوم الاحد (15كانون الثاني 2012)
مواضيع ذات صلة
مستشار سابق في البنتاغون: آيزنهاور اجتمع بمخلوقات فضائية ثلاث مرات ووقَّع معها اتفاقية سلام بناء دولة أم بناء أمة؟ العراقية تدعو أوباما إلى التدخل للمساعدة في حل الأزمة في العراق حرام في البحرين.. حلال في الكويت ! محمد حسنين هيكل: ما يحدث الآن ليس ربيعاً...وإنما سايكس بيكو جديد لتقسيم العرب الأسد: سوريا لن ترضخ للضغوط والحملة ستستمر الوقف السني يحذر السياسيين من غضب الشارع العراقي الدولة العراقية الى اين؟ الدفاع تؤكد الاستعداد لحماية البلاد بعد الانسحاب الأميركي وتعتبر الوضع السياسي "غير مرتبك" علاوي يطالب الأمم المتحدة بتعيين ممثل لمراقبة حقوق الإنسان في العراق الانتقالي الليبي يكشف لبغداد مخططاً بعثياً للإطاحة بالعملية السياسية صحيفة المشرق..سرّي للغاية.. مباحثات (متكتـّمة) تمهّد لإقليم (سُنّي) كبير السيد رئيس مجلس النواب يوجه رسالة الى الشعب العراقي والاخوة الشركاء في العملية السياسية فتيات أمتهن التسول : انتشار ظاهرة التسول .. ناقوس خطر يهدد المجتمع انسانيا وحضاريا براءة قاتل
|